قيمة الفن ومعناه الحقيقي 

ما هي قيمة الفن؟ وما الذي يحدد تلك القيمة؟ أطرح هذه الأسئلة لأني أريد الوصول إلى أسئلة أعمق منها

 

في أكتوبر 2018، التقى مجموعة من الأثرياء من عشاق ومحبي الفن في دار المزادات الشهيرة "سوذبيز" بالعاصمة البريطانية لندن. وكان الحدث الأبرز في تلك الأمسية لوحةً فنيةً حملت عنوان "فتاة البالون" لفنان الجرافيتي الغامض بانكسي. وبعد أن احتدمت المنافسة بين المشاركين في المزاد، هوت في نهاية المطاف مطرقة المزاد مُعلِنةً بيع اللوحة بمبلغ 1.4 مليون دولار أمريكي 

وما إن حدث ذلك حتى خيم الصمت على الحضور وعلت الدهشة وجوههم وهم يرون آلةً لتمزيق الورق مُثَبتةً في إطار اللوحة قد بدأت في تمزيق اللوحة ذاتها، ولم تتوقف تلك الآلة إلا بعدما أجهزت على نصف اللوحة، تاركةً الحضور أمام لوحة مَبتورة 

 

ماذا تتوقعون أن يحدث لقيمة اللوحة؟ لقد كانت قيّمة قبل أن يعتريها الضرر؟ ما حدث هو أنّ قيمتها ارتفعت. والتساؤل الذي يسيطر على الأذهان هنا هو – كيف يمكن لشيء أصابه الضرر أن تزداد قيمته ويرتفع ثمنه؟

يعيدني هذا لأسئلتي السابقة. ما هي قيمة الفن؟ ولماذا يتمتع بتلك القيمة؟ السبب وراء ذلك ببساطة يكمن في أننا أنفسنا من نجعل للعمل الفني قيمةً. فنحن من يدفع نظير ذلك العمل، ونحن من نُبدي إعجابنا أو شغفنا به، ومن ثَمّ يزداد الإقبال عليه وترتفع قيمته

إذن، ما الذي يعنيه الفن للعالم بالفعل؟

الجواب بسيط: نحن من يعطي الفن قيمته لأننا نطالب به، نقدّره وندفع ثمنه. الفن يستمدّ قيمته منا، بل هو بحاجة لنا ليكتسبها

هذا ليس انتقادًا للفن، بل فكرة إيجابية بكل معنى الكلمة. فنحن أنفسنا، بإجماعنا على شيء، نجعل له قيمةً. وهذا يعني أننا بمقدورنا أن نُشَكل عملاً فنياً وأن نجعل له وجوداً من عدم. لكن، ما هو الفن فعلاً؟ الفن في حقيقته أحد أشكال التواصل المشترك بين البشر وتجسيداً لأفكار مشتركة فيما بينهم

فلنأخذ هذا الفكرة لبعد آخر. لقد حان الوقت كي ننتقل نحن الإماراتيون من مرحلة كوننا ذوّاقة للفن لنصبح صنّاع الفن. متحف اللوفر في أبوظبي مليء بالقطع الفنية الاستثنائية. لماذا لا نقدّم أعمالاً تضاهيها في القيمة والمكانة؟

بإمكاننا أن نفعل ذلك. ليس من الضروري أن يلتزم فننا بقالب من التقليد والجمود، فالفن لم يعد محدودًا بنسيج قماشي أو قطعة ورقية أو ألوان زيتية. مهما اختلفت البيئة أو المحيط العام للفن، فبمقدورنا نحن الإماراتيون أن نُبرِز ما لدينا ونُعلي من قيمته. بإمكاننا أن نتبادل أفكارنا ونشارك العالم حبنا للجمال وتذوقنا للفن، وأن نستمدّ الجمال من الاختلاف ونأخذ تقاليدنا وقيمنا إلى المستقبل. يمكننا أن نغرس ذلك الجمال في أي بيئة أو محيط أو مجال يطيب لنا – في مجال التكنولوجيا، أو العطور، أو الطعام، أو السيارات الفارهة، أو الساعات، أو ناطحات السحاب – في أي شيء يروق لنا من خلاله التعبير عن أنفسنا وإبراز شغفنا بالجمال والفن

تذكروا أن تقديرنا للفن هو ما يُكسبه قيمته. والآن، إلى سؤالي الأعمق: إذا كان ما نستهلكه قيّمًا لأننا نقدّره، فماذا سنختار أن نقدّر؟

لماذا لا نصنع الفن بأنفسنا ونقدّره بإقبالنا عليه، وتداولنا له، فنمنحه قيمته؟ لوقت طويل والعالم يُشاركنا أفكارهم وقصصهم. والآن قد جاء دورنا كي نشاركهم إبداعنا وفننا، فعندما نُدرِك قيمة ما لدينا ونعلي من قدره ونتعامل معه بكل فخرٍ واعتزاز، عندها فقط سيتعامل معه العالم بالمثل ويقدّم له التقدير الذي يستحقه